المقريزي
91
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
العمالقة واليونانيين والروم ، وغيرهم . فلهذا اختلطت أنسابهم ، واقتصروا من التعريف بأنفسهم على الإشارة إلى مواضعهم ، والانتماء إلى مساقطهم فيها . وحكى أنهم كانوا في الزمن السالف عباد أصنام ومدبري هياكل إلى أن ظهر دين النصرانية ، وغلب على أرض مصر . فتنصروا وبقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون ، فأسلم بعضهم ، وبقي بعضهم على دين النصرانية . وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات والانهماك في اللذات والاشتغال بالترهات والتصديق بالمحالات وضعف المرائر والعزمات ، ولهم خبرة بالكيد والمكر ، وفيهم بالفطرة قوّة عليه وتلطف فيه وهداية إليه لما في أخلاقهم من الملق والبشاشة التي أربوا فيها على من تقدّم وتأخر . وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم . حتى صار أمرهم في ذلك مشهورا والمثل بهم مضروبا وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس : محضتكم يا أهل مصر نصيحتي * ألا فخذوا من ناصح بنصيب رماكم أمير المؤمنين بحية * أكول لحيات البلاد شروب فإن يك باق أفك فرعون فيكم * فإن عصا موسى بكف خصيب قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى : وقد مرّ لي قديما أن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر . فلذلك يتحدّثون بالأشياء قبل كونها ، ويخبرون بما يكون وينذرون بالأمور المستقبلة . ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة . قال ابن الطوير : وقد ذكر استيلاء الفرنج على مدينة صور ، فعاد الحفظ والحراسة على مدينة عسقلان فما زالت محمية بالأبدال المجرّدة إليها من العساكر والأساطيل . والدولة تضعف أوّلا فأوّلا باختلاف الآراء فثقلت على الأجناد وكبر أمرها عندهم ، واشتغلوا عنها فضايقها الفرنج حتى أخذوها في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، ولقد سمعت رجلا قبل ذلك بسنين يحدّث بهذه الأمور ويقول في سنة ثمان تؤخذ عسقلان بالأمان . ومن هذا الباب واقعة الكنائس التي للنصارى ، وذلك أنه لما كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ؛ والناس في صلاة الجمعة كأنما نودي في إقليم مصر كله من قوص إلى الإسكندرية بهدم الكنائس . فهدم في تلك الساعة بهذه المسافة الكبيرة عدد كثير من الكنائس كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب ، عند ذكر كنائس النصارى . ومن هذا الباب واقعة ألدمر وذلك : أنه خرج الأمير ألدمر « 1 » أمير جندار يريد الحج
--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة : أيدمر وهو الأمير عز الدين أيدمر بن عبد اللّه أمير جاندار كان معظما عند السلطان محمد بن قلاوون . قتل سنة 730 ه في مكة بسبب فتنة الحجاج قتله عبيد أمير مكة محمد بن عقبة بن إدريس . النجوم الزاهرة ج 9 / 205 .